أبي حيان الأندلسي
18
البحر المحيط في التفسير
قال ابن عباس وقتادة : ضيزى : جائرة ؛ وسفيان : منقوصة ؛ وابن زيد : مخالفة ؛ ومجاهد ومقاتل : عوجاء ؛ والحسن : غير معتدلة ؛ وابن سيرين : غير مستوية ، وكلها أقوال متقاربة في المعنى . وقرأ الجمهور : ضِيزى من غير همز ، والظاهر أنه صفة على وزن فعلى بضم الفاء ، كسرت لتصح الياء . ويجوز أن تكون مصدرا على وزن فعلى ، كذكرى ، ووصف به . وقرأ ابن كثير : ضئزى بالهمز ، فوجه على أنه مصدر كذكرى . وقرأ زيد بن علي : ضيزى بفتح الضاد وسكون الياء ، ويوجه على أنه مصدر ، كدعوى وصف به ، أو وصف ، كسكرى وناقة خرمى . ويقال : ضوزى بالواو وبالهمز ، وتقدّم في المفردات حكاية لغة الهمز عن الكسائي . وأنشد الأخفش : فإن تنأ عنها تقتضيك وإن تغب * فسهمك مضئوز وأنفك راغم إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ : تقدّم تفسير نظيرها في سورة هود ، وفي سورة الأعراف . وقرأ الجمهور : إِنْ يَتَّبِعُونَ بياء الغيبة ؛ وعبد اللّه وابن عباس وابن وثاب وطلحة والأعمش وعيسى بن عمر : بتاء الخطاب ، إِلَّا الظَّنَّ : وهو ميل النفس إلى أحد معتقدين من غير حجة ، وَما تَهْوَى : أي تميل إليه بلذة ، وإنما تهوى أبدا ما هو غير الأفضل ، لأنها مجبولة على حب الملاذ ، وإنما يسوقها إلى حسن العاقبة العقل . وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى : توبيخ لهم ، والذي هم عليه باطل واعتراض بين الجملتين ، أي يفعلون هذه القبائح ؛ والهدى قد جاءهم ، فكانوا أولى من يقبله ويترك عبادة من لا يجدي عبادته . أَمْ لِلْإِنْسانِ ما تَمَنَّى : هو متصل بقوله : وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ ، بل للإنسان ، والمراد به الجنس ، ما تَمَنَّى : أي ما تعلقت به أمانيه ، أي ليست الأشياء والشهوات تحصل بالأماني ، بل للّه الأمر . وقولكم : إن آلهتكم تشفع وتقرب زلفى ، ليس لكم ذلك . وقيل : أمنيتهم قولهم : وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنى « 1 » . وقيل : قول الوليد بن المغيرة : لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَداً « 2 » . وقيل : تمنى بعضهم أن يكون النبي . فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولى : أي هو مالكهما ، فيعطي منهما ما يشاء ، ويمنع من يشاء ، وليس لأحد أن يبلغ منهما إلا ما شاء اللّه . وقدّم الآخرة على الأولى ، لتأخرها في ذلك ، ولكونها فاصلة ، فلم يراع الترتيب الوجودي ، كقوله : وَإِنَّ لَنا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولى « 3 » .
--> ( 1 ) سورة فصلت : 41 / 50 . ( 2 ) سورة مريم : 19 / 77 . ( 3 ) سورة الليل : 92 / 13 .